هيبة المؤسسة التشريعية بين حرية التعبير وضوابط الانضباط. بقلم أحمد محمد حماده

كتب الكاتب المحلل السياسي. أحمد محمد حماده …
يثير الجدل الذي رافق ما صدر عن النائبتين مريم بنت الشيخ وقامو عاشور، وما ترتب عليه من قرار توقيف، نقاشًا مشروعًا حول مدى الحاجة إلى مراجعة شروط الترشح لعضوية البرلمان، في ضوء متطلبات الانضباط المؤسسي وأخلاقيات الخطاب داخل المؤسسة التشريعية.
في هذا السياق، يبرز تمييز أساسي بين السلوك الفردي للنائب وبين الإطار القانوني والمؤسسي المنظم للعمل البرلماني. فالتصرفات أو العبارات التي تُعدّ مخالفة للأعراف البرلمانية تظل، من حيث المبدأ، حالات فردية، لا تعكس بالضرورة خللًا بنيويًا في شروط الترشح، بقدر ما قد تشير إلى محدودية فاعلية آليات الضبط الداخلي.
من جهة أخرى، تقوم شروط الترشح المعتمدة عادة على معايير قانونية موضوعية، مثل الأهلية القانونية والسن والسجل العدلي، وهي معايير قابلة للتحقق والقياس. أما إدراج معايير ذات طابع سلوكي أو أخلاقي ضمن هذه الشروط، فيطرح إشكالات تتعلق بصعوبة الضبط الموضوعي، واحتمالات التوظيف السياسي أو الانتقائي.
في المقابل، يوفر النظام الداخلي للبرلمان جملة من الآليات التأديبية التي تهدف إلى ضمان احترام قواعد النقاش والانضباط، من خلال أدوات مثل التنبيه والتوبيخ والتوقيف. ويُفترض أن تشكل هذه الآليات الإطار الأنسب لمعالجة مثل هذه الحالات، بما يحفظ توازنًا بين حرية التعبير البرلماني وواجب الالتزام بضوابط الخطاب المؤسسي.
وتُعدّ الحصانة البرلمانية بدورها عنصرًا محوريًا في هذا التوازن، إذ تمثل ضمانة أساسية لتمكين النائب من أداء مهامه بحرية واستقلالية، خاصة في ما يتعلق بإبداء الرأي داخل المؤسسة التشريعية. غير أن هذه الحصانة ليست مطلقة، بل تظل مقيدة بوظيفتها الأصلية، أي حماية العمل البرلماني لا الأفعال أو الأقوال الخارجة عن مقتضياته.
وعليه، فإن الخطاب الذي يتجاوز حدود اللياقة أو ينطوي على إساءة صريحة، لا يمكن تبريره بالحصانة، بل يخضع لآليات المساءلة والانضباط المنصوص عليها في النظام الداخلي. كما أن الحصانة الإجرائية، المرتبطة بالحماية من التوقيف أو المتابعة القضائية، تبقى قابلة للرفع وفق مساطر محددة عندما يتعلق الأمر بأفعال لا صلة لها بالممارسة النيابية.
وفي هذا الإطار، تنص القواعد الدستورية والأنظمة البرلمانية المقارنة على أن رفع الحصانة يتم بطلب من السلطة القضائية يُوجَّه إلى مكتب البرلمان، ويُحال عادة إلى لجنة مختصة (لجنة الشؤون القانونية أو لجنة الأخلاقيات) لدراسته. وتُمنح للنائب المعني فرصة الاستماع إليه أو تقديم دفوعه، قبل أن يُعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت. كما تُقرّ هذه النصوص استثناءً يتعلق بحالة التلبس، حيث يجوز توقيف النائب دون إذن مسبق، على أن يُخطر البرلمان فورًا لاتخاذ ما يراه مناسبًا. ويؤكد هذا المسار الإجرائي أن الحصانة ليست عائقًا أمام العدالة، بل آلية لتنظيمها ومنع توظيفها لأغراض سياسية.
ويختلف نطاق مساءلة النائب باختلاف السياق الذي يصدر فيه سلوكه. فداخل البرلمان، يُعدّ النائب متمتعًا بحماية خاصة في إطار ممارسته لوظيفته التشريعية، حيث تُنظَّم أقواله وتصرفاته وفق النظام الداخلي، وتخضع لآليات تأديبية داخلية تراعي خصوصية النقاش البرلماني وضرورات حرية التعبير. أما خارج البرلمان، فإن النائب، رغم صفته التمثيلية، يظل خاضعًا للقواعد العامة للقانون شأنه شأن أي مواطن، خاصة فيما يتعلق بالأفعال أو التصريحات التي لا ترتبط مباشرة بأدائه النيابي. وفي هذا الإطار، تبرز الحصانة الإجرائية كآلية تنظيمية لا تعفي من المساءلة، بل تؤطرها وفق مساطر محددة، بما يضمن عدم توظيفها كوسيلة للإفلات من المسؤولية. وبالتالي، فإن التمييز بين المجالين يكرّس مبدأ أساسياً مفاده أن الحماية الممنوحة للنائب وظيفية ومقيدة، وليست امتيازًا شخصيًا مطلقًا.
كما أن حرية التعبير داخل البرلمان، وإن كانت مبدأً أساسيًا في العمل الديمقراطي، إلا أنها تبقى مقيدة بحدود اللياقة واحترام المؤسسة، وهو ما يستدعي تطبيقًا دقيقًا ومتوازنًا للنصوص المنظمة، دون المساس بجوهر الدور الرقابي والتعبيري للنائب.
بناءً على ذلك، يبدو أن معالجة هذه الإشكالات لا تقتضي بالضرورة تعديل شروط الترشح، بقدر ما تستدعي تعزيز فاعلية آليات الانضباط الداخلي، وتكريس مدونات سلوك واضحة، إلى جانب دور الأحزاب السياسية في انتقاء مرشحيها وفق معايير تجمع بين الكفاءة والقدرة على الالتزام بأخلاقيات العمل البرلماني.
وعليه، فإن تطوير الأداء البرلماني يظل رهينًا بتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الانضباط المؤسسي وضمان التعددية وحرية التعبير، بما يعزز من مكانة المؤسسة التشريعية ويحافظ على ثقة الرأي العام فيها.