البرلمان وهيبة الخطاب: دعوة لمراجعة معايير الاختيار

كتب. ذ/ محمد عالي محمدن (عدود)…..
في ظل التحولات التي يشهدها المشهد السياسي في موريتانيا، وبين يدي الحوار السياسي تعود إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة التمثيل البرلماني وحدود المسؤولية الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها المنتخبون. وقد أعادت حادثة توقيف بعض النواب على خلفية استخدام عبارات نابية تجاه رموز الدولة النقاشَ إلى نقطة أساسية: ما هي المعايير الدنيا التي يجب أن تتوفر في من يمثل الشعب تحت قبة البرلمان؟
ليس الهدف من هذا الطرح الإقصاء أو التضييق على المشاركة السياسية، بل على العكس، هو السعي إلى ترسيخ حد أدنى من الشروط التي تضمن أداءً متزنًا ومسؤولًا، يعكس قيم المجتمع الموريتاني وأخلاقه، ويحافظ في الوقت ذاته على هيبة المؤسسات.
من بين المقترحات البسيطة والواقعية، يبرز أولًا شرط المستوى العلمي المقبول، ليس بالضرورة في إطار نخبوي ضيق، وإنما في حدود تمكّن النائب من فهم النصوص القانونية، ومناقشة مشاريع القوانين بوعي وإدراك. فالتشريع مسؤولية دقيقة تتطلب حدًا أدنى من التأهيل المعرفي.
ثانيًا، يمكن الحديث عن تجربة أولية في العمل العام أو السياسي، حتى وإن كانت محدودة. فالعمل البلدي، أو النشاط المدني، أو الانخراط في هيئات اجتماعية، كلها تجارب تصقل الشخصية وتمنح صاحبها فهمًا أفضل لتعقيدات الشأن العام.
أما ثالثًا، وهو الأهم، فيتعلق بـالبعد الأخلاقي. فالنائب لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل مجتمعًا بأكمله، بقيمه وتقاليده. ومن ثم، فإن التحلي بأدب الخطاب، واحترام المؤسسات، والقدرة على الاختلاف دون إسفاف، كلها عناصر لا غنى عنها في من يتصدى للعمل البرلماني.
إن ما حدث مؤخرًا من تجاوزات لفظية، وإن كان مرفوضًا، يمكن أن يُقرأ أيضًا كفرصة لإعادة التفكير في معايير الاختيار، ليس فقط على مستوى القوانين المنظمة للترشح، بل كذلك على مستوى وعي الناخبين أنفسهم. فالديمقراطية لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بثقافة عامة تحترم الاختلاف، وتُعلي من شأن الكلمة المسؤولة.
في النهاية، يبقى البرلمان مرآةً للمجتمع، وأي إصلاح في تركيبته هو في جوهره إصلاح في نظرتنا الجماعية إلى من يستحق أن يمثلنا. فحين نُحسن الاختيار، نرتقي جميعًا بمستوى النقاش، ونضع أسسًا أكثر صلابة لممارسة ديمقراطية ناضجة، تحترم الدولة وتُصغي للمواطن في آن واحد.
ذ/ محمد عالي محمدن (عدود)