مقاطعة امبود .. حين تتحول الوعود إلى واقع بقلم محمد محمود ولد العربي
لم تكن زيارة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أمبود محطة بروتوكولية عابرة، بل كانت لحظة سياسية وتنموية مكثفة، عبّر عنها الشارع قبل أن تعبّر عنها الكلمات. الاستقبال الحار الذي خصّه به سكان المقاطعة، والحضور اللافت للمنتخبين والأطر والوجهاء، ومظاهر الارتياح الصريحة في حديث المواطنين، كلها عكست شعوراً بأن الدولة حضرت هذه المرة بمشاريع ملموسة لا بوعود مؤجلة، وبحصيلة يمكن رؤيتها ولمس أثرها.
إطلاق المدرسة الجمهورية في أمبود لم يكن إجراءً رمزياً، بل قراراً يعيد ترتيب الأولويات في منطقة ظلت بحاجة إلى تدخل نوعي يعزز التمدرس ويحد من التسرب ويمنح أبناء الأسر البسيطة فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي. وحين تُربط هذه الخطوة بحزمة أوسع من المشاريع، من توسعة المستشفى الجهوي في كيهيدي، إلى إطلاق مشاريع كهربة انطلاقاً من أمبود، إلى ترميم الطرق الحيوية، وتعزيز الاستصلاح الزراعي، وبناء منشآت صحية ومائية، وفك العزلة عن قرى ريفية، واقتناء سيارات إسعاف، وبناء سدود، يتضح أن الأمر ليس مبادرات متفرقة، بل رؤية تنموية متدرجة تستهدف تقليص الفوارق ودمج المناطق التي عانت طويلاً من التهميش.
اللافت في خطاب الرئيس أنه لم يتحدث بلغة الاكتفاء، بل أكد أن ما تحقق مهم لكنه غير كافٍ، وأن العمل يجب أن يتواصل لمحاربة الإقصاء وتقليص الفوارق. هذا الاعتراف ينسجم مع خطاب يوازن بين التزام الدولة بتوفير الخدمات الأساسية، ودعوة المواطن إلى المبادرة وتحمل مسؤوليته في بناء مستقبله. إنها معادلة دولة مسؤولة ومجتمع فاعل، لا دولة ريعية ومجتمع منتظر.
في هذا السياق، يبرز نقاش أوسع يتصل بتطور التجربة السياسية نفسها. بعد نحو عقدين على ترتيبات دستورية صيغت في ظرف سياسي خاص، يصبح من الطبيعي أن يُطرح سؤال المراجعة في إطار حوار وطني هادئ ومسؤول. الدستور ليس نصاً منزهاً عن التطوير، بل إطار تنظيمي يعكس مرحلة معينة من نضج المجتمع السياسي. وحين تتراكم التجربة، وتتعزز مؤسسات الدولة، ويترافق الاستقرار مع إنجازات ملموسة، فإن التفكير في كيفية صون هذا المسار وتعزيزه ضمن الأطر القانونية والتوافق الوطني لا ينبغي أن يُقدَّم وكأنه تهديد، بل باعتباره جزءاً من تطور طبيعي لأي نظام ديمقراطي.
الاستقرار ليس شعاراً، بل قيمة تُبنى بالحصيلة والثقة. وحين يرى المواطن مشاريع تتحقق، وخدمات تتحسن، وقيادة تعترف بالتحديات بدل إنكارها، فإن ثقته في استمرارية المسار تتعزز. من حق الجميع أن يناقش، وأن يختلف، وأن يقترح، لكن من الصعب إقناع الناس بأن “لا شيء تغيّر” وهم يرون التغيير بأعينهم.
مشهد أمبود كان رسالة مزدوجة: أن التنمية حين تُدار بإرادة سياسية واضحة يمكن أن تصل إلى المناطق التي طال انتظارها، وأن النقاش حول المستقبل السياسي للبلاد يجب أن يُبنى على الوقائع لا على المخاوف. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة أن الشعوب تميل إلى المسارات التي تمنحها الاستقرار والإنجاز معاً، وأمبود قدّمت مثالاً حيّاً على ذلك.