المأمورية الثالثة .. بين قداسة النص و سؤال الأستمرار /بقلم عبد الرحمن سيديا

في اللحظات السياسية الحساسة، لا تكون الأسئلة دستوريةً خالصة، ولا تكون الإجابات بريئةً تمامًا. وحين يُطرح سؤال المأمورية الثالثة في موريتانيا، يبدو المشهد وكأنّه انقسامٌ بين فريقين: فريقٍ يرفع شعار “الاستقرار” و”استمرار المشروع”، وفريقٍ يتدثّر بـ”قداسة الدستور” و”حماية التداول”. غير أنّ الضجيج، إذا ما أُصغي إليه جيدًا، يكشف أن كثيرًا من الأصوات لا تتحرك بدافع مبدئيّ خالص، بل بحسابات موقعٍ أو انتظارِ فرصة.

الأصوات التي تطالب بالمأمورية الثالثة قد لا تكون — في جوهرها — صدىً لإرادة شعبية صلبة بقدر ما هي تحرُّكٌ مبكّر نحو حجز مقعد في الصفّ الأول.إنها سباق على “فضيلة الصفّ الأول” الذي لم تُقم صلاته بعد، و لا أحد يضمن أن اللحظة ستأتي أصلًا، ولا أن الحسابات ستصمد أمام توازنات الداخل والخارج.
ولعلّ ما يفسّر هذا الحماس المبكّر هو حسابٌ سياسيّ نفعي يرى أنّ التمسّك بالموجود — حتى ولو عبر المطالبة بتعديل الدستور — أقلُّ كلفةً من المغامرة بالدخول في مبادرةٍ لدعم مرشّحٍ قادمٍ قد لا يُكتب لها النجاح. فالمراهنة على الاستمرار تمنح أصحابها موقعًا مضمونًا في دائرة القرب، بينما الانخراط في مشروعٍ بديلٍ يحمل مخاطرة الخروج من المشهد إن أخفق الرهان. وهكذا يتحوّل النقاش من سؤالٍ دستوريّ إلى معادلة ربحٍ وخسارة، يُقدَّم فيها خيارُ التمديد بوصفه استثمارًا سياسيًا أكثر أمانًا من مغامرة التغيير

في تجارب عديدة، تحوّل مطلب “الاستمرار” إلى لغة ولاءٍ استباقي، هدفها تثبيت الحضور في المشهد المقبل، أيًّا كان شكله.

لكن الوجه الآخر للصورة ليس أكثر صفاءً. فالأصوات التي تنادي باحترام الدستور — وهو مطلبٌ في ذاته مشروع وضروري — لا تنطلق دائمًا من انضباطٍ مؤسسيّ جاد، بل من حسابٍ سياسيّ دقيق، إنها تُوظِّفُ اللحظة لإعادة التموضع، أو إحراج الخصم، أو بناء صورة “حارس النصّ” في سوقٍ انتخابية تبحث عن عنوان أخلاقي. وهكذا يصبح الدستور، عند بعضهم، أداةَ ضغطٍ لا قيمةً عليا، وشعارًا تعبويًا لا عقدًا اجتماعيًا جامعًا.

ليست هذه الثنائية حكرًا على موريتانيا. ففي الجزائر عام 2008، عُدّل الدستور لفتح الباب أمام مأمورية ثالثة، وارتفعت حينها أصوات “الاستقرار” في مقابل أصوات “الشرعية الدستورية”، لكن كثيرًا من المواقف — في الضفتين — كان محكومًا بحسابات السلطة والمعارضة أكثر من انشغالٍ ببناء مؤسسي طويل النفس.

وفي السنغال عام 2012، احتدم الجدل حول تأويل النصّ الدستوري، واصطفّت القوى بين قراءةٍ تُجيز وأخرى تمنع، بينما كان الشارع يطالب بما يتجاوز الأشخاص إلى قواعد اللعبة نفسها. حتى في رواندا، حين عُدّل الدستور عام 2015، انقسم المشهد بين خطاب التنمية والاستمرارية وخطاب التداول والضمانات، وبقي السؤال الأكبر: هل نحن بصدد بناء مؤسساتٍ أم إعادة إنتاج أفراد؟

المعضلة، إذن، ليست في النصّ وحده ولا في الشخص وحده؛ بل في الثقافة السياسية التي تجعل من الدستور ورقةً تفاوضية، ومن الإرادة الشعبية شعارًا قابلًا للتأويل. حين تُختزل الدولة في دورةٍ انتخابية، و تحشر الشرعية في تأويلٍ قانونيّ ضيّق، تغيب المصلحة الوطنية بوصفها معيارًا أعلى. ويصبح الجدل حول المأمورية الثالثة مرآةً لصراع نخبٍ أكثر منه نقاشًا حول مستقبل الدولة.

في الحالة الموريتانية، تبدو الحاجة ملحّة للتمييز بين ثلاثة مستويات:
1. النصّ الدستوري بوصفه عقدًا جامعًا لا يُغيَّر إلا بتوافقٍ واسعٍ وإرادةٍ شعبية واضحة.
2. الاستقرار السياسي بوصفه غايةً لا تتحقق بالتمديد وحده ولا بالقطيعة الفجائية، بل بتعزيز الثقة في المؤسسات.
3. أخلاقيات الفعل العام التي تقتضي أن يكون الموقف — مع أو ضد — منسجمًا مع مبدأٍ ثابت لا مع ظرفٍ عابر.

إنّ التاريخ يُعلّمنا أن الدول التي جعلت من الدستور قيمةً عليا — لا أداةً ظرفية — استطاعت أن تبني تقاليد تداولٍ مستقرّ، حتى عندما تغيّرت الوجوه. والدول التي ربطت الاستقرار بشخصٍ واحدٍ أو لحظةٍ واحدة، دفعت لاحقًا ثمن هشاشة البناء. غير أنّ المعارضة التي تكتفي برفع شعار “احترام النصّ” دون مشروعٍ بديلٍ مقنع، لا تملك بدورها إلا نصف الحقيقة.

لذلك، فإنّ السؤال الأجدر بالطرح ليس: هل نريد مأمورية ثالثة أم لا؟ بل: ما الذي يحفظ لموريتانيا — دولةً ومجتمعًا — توازنها المؤسسي وكرامتها الدستورية؟ وكيف نُخرج النقاش من ثنائية “مع” و”ضد” إلى أفقٍ أوسع عنوانه بناء قواعدٍ لا تتبدّل بِتَغيُّرِ المزاج السياسي؟

قد تكون المأمورية الثالثة ممكنةً سياسيا أو مستحيلةً نصًّا؛ لكن الأهم أن تكون موريتانيا ممكنةً مستقبلًا. وبين السباق إلى الصفّ الأول، والوقوف في منصة الوعظ الدستوري، تبقى مصلحة البلاد — في كثيرٍ من الأحيان — بلا منادٍ صادق. وحين يتحرّر النقاش من حسابات المواقف المؤقتة، ويعود إلى جوهر العقد الاجتماعي، آنذاك فقط يمكن أن يُكتب للجدل معنى يتجاوز الأشخاص إلى الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى