إسهام المرأة في الشعر العربي الفصيح في مقاربات نقدية

نظم بيت الشعر نواكشوط مساء اليوم الخميس 23 أبريل 2026 ندوة تحت عنوان ” إسهام المرأة الموريتانية في الشعر العربي الفصيح قديما وحديثا” ضمن سلسلة ندوات

“مقاربات نقدية” الساعية إلى ترسيخ الوعي النقدي ضمن مواكبة الحراك الشعري، وقد حاضر في الندوة الأستاذ الدكتور محمد الحسن محمد المصطفى والدكتورة الشاعرة مباركة البراء والدكتور الباحث إسماعيل أحمد سالم. وفي مستهل الندوة قدم البروفيسير عبد الله السيد تمهيدا عاما

لموضوع الندوة تطرق خلاله إلى “إسهام المرأة المويتانية في الشعر العربي الحديث قديما وحديثا” ، مقدما لمحات عن الضيوف وإسهاماتهم المعرفية والثقافية.

وقد بدأت المحاضرات مع باتّه البراء وهي شاعرة وكاتبة حاصلة على دكتوراه في الأدب العربيّ الحديث من جامعة

محمد الخامس، حصدت الكثير من الرّتب والجوائز وعملت سابقا أستاذة للنقد والأدب بجامعتي الإمام والملك سعود بالعربيّة السّعودية، وعضو في أكثر من لجنة تحكيم علميّة، لها

أكثر من سبع إصدارات أبرزها: “مدى حرفين” ، و”أحلام أميرة” و”أهازيج السّماء” و”مدينتي والوتر” ، و”الشّعر الموريتانيّ الحديث” ، تشتغل حاليا أستاذة للغة العربية بالمدرسة العليا للتّعليم.


وقد استعرضت الدكتورة في كلمتها أن الأدب النسوي الموريتاني من خلال الإنتاج الشعري العربي القديم في

مستوييه الفصيح واللهجي بغض النظر عن أشكال الكتابة الحديثة باعتبار أن لها سياقاتها وبناها المختلفة، محاولة استنطاق أمثلة مجزأة وتقديم ملاحظات سريعة في أبعادها التعبيرية والجمالية والسوسيوثقافية، فلقد أثر-منذ القديم- عن

هذا الحيز المعروف اليوم تحت اسم موريتانيا حضور مميز ودور بارز للمرأة سياسيا واجتماعيا وعلميا لافتا، إلا أن محدودية النصوص النسائية الفصيحة في التراث ظلت واضحة لأسباب كثيرة من بينها هيمنة الشفاهية. كما أبرزت التحول الذي شهده العصر الحديث، حيث فرضت المرأة حضورها عبر

الكتابة والنشر والمشاركة الثقافية، متوقفة عند السمات الفنية للتجربة النسائية، مشيرة إلى خصوصية الصوت الأنثوي في التعبير عن الذات والوجدان وقضايا الهوية، مع بروز موضوعات الغزل والحنين برؤية مختلفة، مؤكدة أن الشعر النسائي الموريتاني يشهد تطورًا ملحوظًا يستدعي مزيدًا من القراءة النقدية والتوثيق.


المحاضرة الثانية كانت مع د. محمد الحسن ولد محمد المصطفى مدير مدرسة دكتوراه الآداب والعلوم الإنسانيّة 2017 – 2019، منسّق دكتوراه اللغة العربيّة وآدابها 2013- 2017، رئيس جمعية الأدب الموريتانيّ، عضو وحدة بحث الخليل بن أحمد الفراهيديّ للدّراسات النّقديّة واللغويّة،

دكتوراه دولة في الآداب من جامعة القاهرة، صدرت له مجموعة من الأعمال النقديّة أهمّها: “فصول في النّقد العربيّ المعاصر” ، “النّقد الأدبيّ في موريتانيا: القضايا والمناهج” ، “النّصّ والنّقد والتّلقّي؛ دراسة في أبرز إشكاليات الشّعر الموريتانيّ خلال ثلاثة قرون عن دار الجديد الثّقافيّ”, “الشّعر العربيّ الحديث في موريتانيا.


وقد ركّز في كلمته على تحولات الشعر النسوي الموريتاني خلال العصر الحديث باعتباره ظاهرة أدبية آخذة في التشكل والتنامي، مستهلّا بالتأكيد على أن بروز الصوت الشعري النسوي لم يعد حالة معزولة، بل أصبح جزءًا من الحراك الثقافي العام، مدفوعًا بجملة من التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الموريتاني خلال العقود الأخيرة، وفي مقدمة هذه التحولات اتساع دائرة التعليم، خاصة تعليم الفتيات وما أتاحه ذلك من انخراط المرأة في مجالات المعرفة والكتابة، إضافة إلى تطور وسائل النشر والتواصل التي كسرت احتكار المنابر التقليدية، كما أبرز أن الشعر النسوي الحديث في موريتانيا لم يعد محصورًا في التعبير العاطفي، بل اتجه إلى توسيع أفقه الموضوعي والجمالي، حيث أصبحت الشاعرة تعبّر عن قضايا الذات والهوية


وإشكالات الحرية والتمثيل الاجتماعي ومشكلات التحول الثقافي الذي يرى في المحافظة بعدا وجوديا صعب تجاوزه، متوقفا عند البنية الفنية لهذا الشعر، مشيرًا إلى ميله نحو التكثيف والرمزية واستثمار اللغة بوصفها أداة كشف وترميز لمعاناة النفس الأنثوية ضمن تنامي هذه التجربة، مشيرا إلى أن الأمر ليس مرتبطا فقط بالتحولات الخارجية، بل كذلك بـوعي المرأة بذاتها الكاتبة، وانتقالها من موقع “الموضوع” في النص إلى موقع “الذات المنتجة للمعنى”، وهو تحول نوعي في بنية الخطاب الشعري الذي يمثل اليوم مختبرا جماليا وفكريا، يعكس مسارات التطور المجتمعي ويعيد مساءلة ثوابته، داعيا إلى مواكبة نقدية جادة تنصف هذه التجربة وتسهم في تأصيلها ضمن المشهد الشعري العربي.
واختتمت المحاضرات مع د. إسماعيل الراجل أحمد سالم، وهو باحث أكاديمي مهتم بقضايا الأدب والفكر، حاصل على دكتوراه في الدراسات النحوية والبلاغية من جامعة محمد بن عبدالله في المغرب، من إسهامته البارزة: “تحقيق المجموعة الصغرى من مؤلفات الشيخ محمد اليدالي” و” تحقيق الفتح المربي شرح صلاة ربي للنابغة الغلاوي” و “خنساء شنقيط: قراءة في أقدم ديوان شاعرة شنقيطية” و “الدلالة وإشكال التأويل”، كما عمل أستاذا بكل من المحظرة الشنقيطية الكبرى والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية والمدرسة العليا للتعليم.


وقد توقف ولد الراجل عند ديوان ” يميه بنت سيد الهادي اليدالية، ت (1882م) باعتباره أقد ديوان شعري مجموع ومحقق لشاعرة موريتانية، بدأ عرضه بإلمحات حول سياق نشأتها وبيئتها الاجتماعية والتربوية والثقافية، مما كان له انعكاس في شعرها حيث امتاز حسب رأيه بدقة السبك، ورقة الأسلوب، ونوه إلى أن من حقق ديوانها هو الباحث الأمير ولد آكاه، وفي ختام مداخلته قرأ نماذج من شعرها . ومن شعرها في المدح:
تحيةٌ بسنى المصباح في السدف ** تزري وباللؤلؤ المكنون والصدف
مشحونة بصفات الود صادقة ** محفوفة من حلى التعظيم بالشنف
أذكى من المسك والكافور فائحها ** موصوفة بتمام الحب والشغف.
وختمت الندوة بمداخلات قيمة وعدة تساؤلات جوهرية طرحها مجموعة من الدكاترة والباحثين حول موضوع الندوة مع تعقيبات المحاضرين وسط حضور كبير لعدد من الباحثين والطلبة الأكادميين والإعلامين الذين يرون في بيت الشعر-نواكشوط منبرا ثقافيا مهتما بمجالاتهم المعرفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى