الحسن لبات …رفض التعيين في منصب سامٍ مجرد حالة معزولة يمكن تفسيرها بخيارات شخصية.
لم يعد رفض التعيين في منصب سامٍ مجرد حالة معزولة يمكن تفسيرها بخيارات شخصية. فبعد رفض شخصية عُيّنت مستشارًا برئاسة الجمهورية تسلم مهامه، يأتي ذلك في سياق سوابق قريبة، من بينها رفض تعيين أمين عام لوزارة الشؤون الخارجية.
قد يبدو الأمر في ظاهره تعبيرًا عن حرية فردية في القبول أو الاعتذار، وهو حق لا جدال فيه. غير أن تكرار هذه الحالات، ووقوعها بعد صدور قرارات رسمية، يطرح تساؤلات أعمق حول طريقة إدارة التعيينات العليا، وحول مكانة القرار العمومي وهيبته.
في الأنظمة الإدارية المستقرة، لا يُعلن عن التعيين إلا بعد استكمال المشاورات والحصول على موافقة المعنيين. فالمرسوم لا يُفترض أن يكون عرضًا قابلاً للقبول أو الرفض، بل تجسيدًا لقرار نهائي للدولة. لذلك، فإن رفض التعيين بعد صدوره يُعد استثناءً نادرًا، لما له من أثر على صورة المؤسسة وهيبة الدولة.
لكن حين تتكرر هذه الظاهرة، فإنها تخلق انطباعًا بأن القرار العمومي قابل للمراجعة أو التفاوض، وأن سلطة الدولة في التعيين ليست حاسمة بما يكفي. وهو ما قد ينعكس سلبًا على ثقة الرأي العام في جدية التسيير الإداري.
يمكن قراءة هذه الحالات من زوايا متعددة :
– إشكال في المنهجية : قد يعكس الأمر ضعفًا في التحضير المسبق للتعيينات، أو غياب اتفاق واضح مع الشخصيات المعنية قبل إصدار المراسيم.
– تحول في العلاقة مع السلطة : إذ قد يشعر بعض الفاعلين، خصوصًا من ذوي الخبرة أو المناصب السابقة، بهامش أكبر لرفض التكليف دون تبعات تُذكر.
– تراجع جاذبية بعض المناصب: عندما يُنظر إلى بعض الوظائف على أنها محدودة التأثير أو الصلاحيات، تصبح أقل إغراءً، حتى وإن كانت ذات طابع رسمي رفيع.
– ضعف ثقافة الواجب العمومي : حيث لم تعد الوظيفة تُرى دائمًا كالتزام وطني، بل كخيار شخصي قابل للقبول أو الرفض وفق الاعتبارات الذاتية.
الخطر في ذلك لا يقتصر على الحالات الفردية، بل يمتد إلى صورة الدولة نفسها. فإذا أصبح رفض التعيين أمرًا متكررا ومعلنا، فإن ذلك قد يُضعف من رمزية القرار الرسمي، ويجعل من التعيينات أقرب إلى “عروض” منها إلى قرارات مُلزمة.
لا يعني هذا أن على أي شخص أن يقبل منصبا لا يريده. ولكن في دولة المؤسسات، يُفترض أن تُحسم هذه المسائل قبل صدور القرار، وفي إطار من السرية والاحترام المتبادل، حفاظا على هيبة الدولة وانسجام عملها.
في النهاية، المسألة ليست في رفض التعيين بحد ذاته، بل في ما يكشفه من خلل محتمل في آليات اتخاذ القرار، وفي الحاجة إلى ترسيخ مزيد من الانضباط المؤسسي في إدارة الشأن العام.