بيت الشعر ينظم ندوة فكرية حول “التناص في الشعر الشنقيطي”


نظم بيت الشعر- نواكشوط مساء اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 بقاعة الأنشطة العامة، ندوة فكرية ضمن سلسلته الثقافية “إشراقات علمية وثقافية” المسلطة للضوء على موضوعات المعرفة وإشكالات الفكر وقضايا الساحة الثقافية وحديث الساعة الراهن حول واقع الدرس العلمي وآفاقه بموريتانيا.

جاءت ندوة اليوم تحت عنوان: “التناص في الشعر الشنقيطي: الشعر الجاهلي نموذجا”. واستضافت الجلسة نخبة من الشخصيات العلمية والأدبية، وهم: الدكتور محمد علي عم الأمين والدكتور محمد الأمين محمد، والدكتورة أم كلثوم المعلا. وقد أدار الجلسة الأستاذ أحمد أبو بكر الإمام، الذي قدم الشخصيات تقديماً موجزا مستعرضا موضوع الندوة بشذرات تمهيدية حول الشعر الجاهلي وتجلياته في القصيدة الشنقيطية.

ألقى المداخلة الأولى الدكتور محمد علي عم الأمين (الحاصل على دكتوراه في القانون الإداري، والأستاذ المتعاون بجامعة نواكشوط والمدرسة العليا للتعليم، والشاعر والكاتب). استهل محاضرته بإيضاحات منهجية دقيقة حول مصطلحي “التناص” و”الشعر الشنقيطي”، مفرقا بين الأخير وبين مصطلح “الشعر الموريتاني” باعتبار أن الفارق تاريخي تنظيمي (ما قبل الاستقلال وما بعده). تناولت محاضرته
مظاهر التناص الفني بين الشعر الشنقيطي والشعر الجاهلي من خلال عناصر البيئة المتشابهة والمصادر الشعرية الأولى التي عرفتها البلاد. وأشار إلى أن الشعر الجاهلي يمثل ذاكرة لغوية وأدبية وبلاغية عميقة تمتد مع الزمن مشكلا النواة الأولى لسينفونية القصيدة العربية.

فيما ألقى المداخلة الثانية الدكتور محمد الأمين محمد، متناولا موضوع “ملامح الشعر الجاهلي في قصائد خريجي المحاظر”. استهل محاضرته بإبراز الخصوصية المتميزة للتجربة الشنقيطية التي احتضنت فيها المحظرة علوم اللغة والأدب، وجعلت دراسة دواوين الشعر شروحه جزءاً أصيلاً من التكوين العلمي، بحيث لم تكن القصيدة الجاهلية نصاً للاستشهاد فحسب، بل ركناً حياً يغوص في وجدان الطالب المحظري لتتولد لديه ملكة الذوق الجمالي وقدرات التواصل الإيجابي.

قدم مقاربة نقدية دقيقة بين تجربة أحد أبرز شعراء الشناقطة عبد الله بن الرازكه وبين فحول الشعراء الجاهليين وفي مقدمتهم امرؤ القيس.
استشهد بمطلع قصيدة ابن الرازكه:
غَرَامٌ سَقَى قَلْبِي مُدَامَتَهُ صِرْفا
وَلَمَّا يُقِم للعدْلِ عَدْلًا وَلَا صَرْفا

موضحاً كيف تجلت في هذا البيت طاقة شعرية رصينة وصورة مشبعة بمعجم العشق والشكوى، فضلاً عن تحليل البناء الفني والصوتي المعتمد على التقابل والتناظر اللفظي (العدل والعدل والصرف).
قارن بين معالجة ابن رازكه للحب والزمن والليل مقارنةً بلامية امرئ القيس المشهورة (وليل كموج البحر أرخى سدوله..)، مبينةً تفرد ابن الرازكه في جعل ليله بحراً ونهاره نهراً في استعارة مائية استوعبت زمن القهر والمعاناة. خلص المحاضر إلى أن الشعر الشنقيطي ليس صدى عابراً للشعر المشرقي، بل هو امتداد إبداعي أصيل للغة العربية في بيئتها العلمية، وأن المحظرة صانت التراث اللغوي وألبست خريجيها صفاء العصور الذهبية وقوتها.

أما المداخلة الثالثة فكانت مع الدكتورة أم كلثوم عبد الله السالم المعلى (الحاصلة على دكتوراه في النقد الأدبي 2021 من جامعة نواكشوط، وعضو اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، ورئيسة قطاع الثقافة بالاتحاد العربي للمرأة). أكدت أن الشعر الموريتاني القديم في مجمله يعد امتدادا للشعر العربي غرضيا وعروضيا، فقد نسج الشناقطة على منوال فحول الشعراء في الجاهلية والإسلام. تناولت بالدراسة والتحليل نموذج الشاعر الشيخ محمدو النانه بن المعلى، معتبرة أنه تمثل النموذج الشعري العربي ومثله كما وكيفا؛ فجاءت نصوصه المديحية ظلا للمعلقات، وقصائده الإخوانية استلهاما لعيون الشعر الإسلامي. استجلت مظاهر التناص التراثي عند الشاعر المذكور مع الشعر الجاهلي والإسلامي على مستوى اللغة والأساليب والصور الشعرية، متوقفة عند مسوغات وأبعاد هذه الظاهرة الأدبية.
