الدكتور عبد الله الدين في ضيافة “تجارب مثمرة”

نظم بيت الشعر نواكشوط مساء اليوم الخميس 13 أغسطس 2026 ندوة من سلسلة “تجارب مثمرة” المستقصية للتجارب الفكرية والثقافية للشخصيات المعرفية، مساهمة في إثراء الفضاء الثقافي ونقل وقائع ومسارات الأشخاص الذين اشتغلوا بالكتابة والفكر من شتى المجالات، وقد أدار الجلسة مدير بيت الشعر الدكتور عبد الله السيد الذي قدم الضيف بصورة موجزة.
استضافت الجلسة الدكتور عبد الله العتيق الدين، من مواليد سنة 1957 أستاذ وباحث وأديب موريتاني، صاحب تجربة طويلة في التعليم والبحث في اللغة العربية والأدب، مارس التدريس في التعليم الرسمي من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الثانوي، وأسهم في تكوين المعلمين والأساتذة، إلى جانب التدريس الجامعي. يحمل بكالوريا التعليم الثانوي والماستر والدكتوراه في اللغة العربية، وقد توزع إنتاجه بين البحث والتحقيق، والشعر، وخدمة اللغة العربية وعلومها، مع عناية خاصة بالتراث العربي والشنقيطي.
ومن أبرز أعماله البحثية «الشعر الصوفي الشنقيطي في منطقة العقل من 1230هـ إلى 1430هـ: نصوص مختارة»، وهو دراسة وتحقيق في جانب من الشعر الصوفي الشنقيطي، إلى جانب جمع وتحقيق ديوان محمد بن المختار السالم. وله كذلك «معجم مشاهير الشعر القديم»، الذي يقدم تعريفات ومختارات من شعر عدد من أبرز شعراء العربية القدماء، و**«وفيات أعيان من الشعراء الجاهليين»** في منظومة شعرية تتجاوز مائتي بيت.

وفي مجال الأدب والنقد والاختيار الشعري، وضع «الرقيق الأنيق من مختار ما قرأت من شعر رقيق أو نفيس»، وهو مختارات من شعر عدد كبير من شعراء العربية، كما أصدر كتاب «وقفات مع الأدب واللغة» الذي يضم بحوثًا ومباحث متنوعة.
وله في الشعر ثلاثة دواوين، هي: «شؤون وشجون»، المطبوع في حلب سنة 2008، و**«رؤى وأحلام»، و«أنين ورنين»**، بما يكشف عن حضور الشعر إلى جانب اشتغاله العلمي واللغوي.
ويحتل التأليف التعليمي والنظم اللغوي جانبا بارزا من مشروعه، إذ ألّف «مائة بيت في قواعد الإملاء» و «مرجع الإملاء في منابع الإملاء»، كما وضع منظومات في أبواب الصرف والنحو، من أبرزها «عين الفعل»، و«المصادر»، و«أوزان الصفات»، و«مستدرك الجواب»، و«في معاني الأفعال المزيدة»، و«المنادى»** و«الجوازم»، كما طال اهتمامه التراث الإسلامي والسيرة النبوية، ومن ذلك منظومته «حسوات الرحيق من غزوات الصديق» في حروب الردة، وكتابه «الطوق الذهبي على أسماء الصحابة من آل النبي»، الذي يتصل بتراث أحد العلماء الشناقطة المتقدمين.
ويتميز مشروع ابن الدين بتنوعه بين الإبداع الشعري، والبحث في التراث، والتحقيق، والتأليف المعجمي، وخدمة علوم العربية بالنظم والتصنيف، بما يجعله من أصحاب التجارب التي تجمع بين الممارسة التعليمية والإنتاج الأدبي والعناية بالتراث اللغوي العربي والشنقيطي.
وقد تطرق الضيف في تجربته إلى نشأته الريفية البسيطة في جو عائلي محظري صرف، وفضاء مجتمعي أدبي يقدر الأدب والعلم مما أتاح له النهل من معين التراث وخلال حديثه عن تجربته عبر عن تجاوزه لتفاصيل المراحل الأولى لتشابهها لدى جميع الموريتانيين مركزا في حديثه إلى مرحلة التأليف والانكباب على أمهات كتب السير والتراث الأدبي لشعراء العربية خلال مختلف العصور.
وقال إن تجربته المعرفية منحته الشغف بالتركيز على عيون الأخبار وروائع القصيد ونوادر الأغراض وغرائب الأحداث وعجائب القصص وحكم أعيان العرب و
وتطرق خلال حديثه إلى مؤلفاته مستعرضا جملة من المؤلفات التي رافقت مسيرته في البحث والتأليف وخدمة اللغة العربية، وقد وأوضح أن اشتغاله بالتراث لم يكن منفصلا عن تجربته الشعرية، بل كان يرى في كليهما امتدادا لعلاقته القديمة باللغة والأدب.
وقال في هذا السياق إن من التجارب التي يعتز بها عمله في «الشعر الصوفي الشنقيطي في منطقة العقل من 1230هـ إلى 1430هـ»، وهو بحث جمع فيه نصوصا من الشعر الصوفي الشنقيطي واشتغل على دراستها وتحقيقها، معتبرا أن مثل هذه الأعمال تتيح إعادة قراءة جانب مهم من التراث الأدبي المحلي وإخراجه من دائرة التداول المحدود إلى بيئات البحث والقراءة.
وأشار إلى علاقته بالتراث التي اتخذت كذلك مسار التحقيق، من خلال جمع وتحقيق ديوان محمد بن المختار السالم، موضحا أن تحقيق الدواوين لا يعني، في نظره، مجرد جمع النصوص وترتيبها، وإنما هو عمل في حفظ الذاكرة الأدبية وصيانة النص الشعري من الضياع والتحريف.
وتوقف أيضا عند «معجم مشاهير الشعر القديم»، الذي سعى من خلاله إلى تقريب عدد من أعلام الشعر العربي إلى القارئ، عبر التعريف بهم وتقديم نماذج من أشعارهم، ورأى أن مثل هذه الأعمال يمكن أن تؤدي وظيفة مزدوجة: حفظ المعرفة الأدبية من جهة، وإعادة تقديمها بصورة ميسرة للدارسين والمهتمين من جهة أخرى.
كما تطرق إلى كتابه «الرقيق الأنيق من مختار ما قرأت من شعر رقيق أو نفيس»، وهو كتاب يمثل جانبا من علاقته بالقراءة الشعرية والاختيار، إذ جمع فيه نصوصا استوقفته من تجارب شعراء مختلفين.
ويقول: إن الانتقاء من الشعر ليس مجرد جمع للنصوص، وإنما هو تعبير عن ذائقة القارئ ورؤيته لما يستحق أن يبقى حيا في الذاكرة الأدبية.
أما تجربته الإبداعية الخالصة، فتتمثل في دواوينه الشعرية، وفي مقدمتها «شؤون وشجون» الذي طبع في حلب سنة 2008، إلى جانب “رؤى وأحلام” و “أنين ورنين” ويؤكد أن الشعر ظل بالنسبة إليه مساحة أخرى للتعبير، موازية لاشتغاله بالبحث والتحقيق واللغة، وأن هذه المسارات، على اختلافها، تصب في علاقة واحدة تجمعه بالكلمة العربية: قراءة وتأملا وتحقيقا وإبداعا.
وبين البحث في التراث، وتحقيق النصوص، وانتقاء الشعر، وكتابة القصيدة، يرى ابن الدين أن تجربته لم تتشكل من مشروع واحد مغلق، وإنما من رحلة طويلة مع الآداب العربية، تتعدد فيها الأشكال وتبقى اللغة والأدب محوراها الأساسين.
وختمت الجلسة وسط حضور متنوع من الباحثين والكتاب والأدباء وجمهور بيت الشعر وأسئلة متعددة تستكشف أغوار التجربة العامة بشخصية الضيف التي انحصر اهتمامها على التراث بصورة خاصة، مما رأوا فيه بعدا ذاتيا يستحق الاستقصاء، وعبر المتدخلون من زواياهم للحديث عن التجربة بتصورات مختلفة، وانتهت الأمسية بصورة تذكارية جماعية.